فصل: سورة الحج:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (96- 97):

{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97)}
تحتمل {حتى} في هذه الآية أن تكون متعلقة بقوله: {وتقطعوا} [الأنبياء: 93] وتحتمل على بعض التأويلات المتقدمة أن تعلق ب {يرجعون} [الأنبياء: 95] وتحتمل أن تكون حرف ابتداء وهو الأظهر بسبب {إذا} لأنها تقتضي جواباً وهو المقصود ذكره، واختلف هنا الجواب، فقالت فرقة الجواب قوله: {اقترب الوعد} والواو زائدة، وقالت فرقة منها الزجاج وغيره الجواب في قوله: {يا ويلنا} التقدير قالوا {يا ويلنا} وليست الواو بزائدة، والذي أقول إن الجواب في قوله: {فإذا هي شاخصة} وهذا هو المعنى الذي قصد ذكره لأَنه رجوعهم الذي كانوا يكذبون به وحرم عليهم امتناعه، وقرأ الجمهور {فَتحت} بتخفيف التاء، وقرأ ابن عامر وحده {فتّحت} بتثقيلها، وروي أن {يأجوج ومأجوج} يشرفون في كل يوم على الفتح فيقولون غداً نفتح ولا يردون المشيئة إلى الله تعالى فإذا كان غداً وجدوا الردم كأوله حتى إذا أذن الله تعالى في فتحه قال قائلهم غداً نفتحه إن شاء الله فيجدونه كما تركوه قريب الانفتاح فيفتحونه حينئذ، وقرأ عاصم وحده {يأجوج ومأجوج} بالهمز، وقرأ الجمهور بالتسهيل، وقد تقدم في سورة الكهف توجيه ذلك وكثير من حال {يأجوج وماجوج} فغنينا هاهنا من إعادة ذلك. والحدب كل متسنم من الأرض كالجبل والظرب والكدية والقبر ونحوه. وقالت فرقة المراد بقوله، {وهم} {يأجوج ومأجوج} لأنهم يطلعون من كل ثنية ومرتفع ويعمون الأرض وذلك أنهم من الكثرة بحيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم أخرج بعث النار من ذريتك فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين» قال ففزع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «إن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل» ويروى أن الرجل منهم لا يموت حتى يولد له ألف بين رجل وامرأة وقالت فرقة المراد بقوله: {وهم} جميع العالم وإنما هو تعريف بالبعث من القبور وقرأ ابن مسعود {من كل جدث} وهذه القراءة تؤيد هذا التأويل، و{ينسلون} معناه يسرعون في تطامن ومنه قول الشاعر: [الرمل]
عسلان الذئب أمسى قارباً ** برد الليل عليه فنسل

وقرأت فرقة بكسر السين، وقرأت بضمها، وأسند الطبري عن أبي سعيد قال يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحداً إلا قتلوه إلا أهل الحصون فيمرون على بحيرة طبرية فيمر آخرهم فيقول كان هنا مرة ما، قال فيبعث الله عليهم النغف حتى تكسر أعناقهم فيقول أهل الحصون لقد هلك أعداء الله فيدلون رجلاً ينظر فيجدهم قد هلكوا قال فينزل الله تعالى من السماء فيقذف بهم في البحر فيطهر الأرض منهم، وفي حديث حذيفة نحو هذا وفي آخره قال وعند ذلك طلوع الشمس من مغربها، وروي أن ابن عباس رأى صبياناً يلعبون وينزوا بعضهم على بعض فقال هكذا خروج يأجوج ومأجوج.
وقوله تعالى: {واقترب الوعد الحق} يريد يوم القيامة، وروي في الحديث «أن الرجل ليتخذ الفلو بعد يأجوج ومأجوج فلا يبلغ منفعته حتى تقوم الساعة»، وقوله تعالى: {هي}، مذهب سيبويه أنها ضمير القصة كأنه قال فإذا القصة أو الحادثة {شاخصة أبصار} وجوز الفراء أن تكون ضمير الإبصار تقدمت لدلالة الكلام ويجيء ما يفسرها وأنشد على ذلك: [الطويل]
فلا وأبيها لا تقول حليلتي ** ألا فرَّعني مالك بن أبي كعب

والشخوص بالعين إحداد النظر دون أن يطرف، وذلك يعتري من الخوف المفرط أو علة أو نحوه، وقوله: {يا ويلنا} تقديره يا ويلنا لقد كانت بنا غفلة عما وجدنا الآن وتبينا الآن من الحقائق ثم تركوا الكلام الأول ورجعوا إلى نقد ما كان يداخلهم من تعهد الكفر وقصد الإعراض فقالوا {بل كنا ظالمين}.

.تفسير الآيات (98- 99):

{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99)}
هذه مخاطبة لكفار مكة أي إنكم وأصنامكم {حصب جهنم} والحصب ما توقد به النار، إما لأنها تحصب به أي ترمى وإما أن تكون لغة في الحطب إذا رمي وأما أن يرمى به فلا يسمى حصباً الا بتجوز، وقرأ الجمهور {حصَب} الصاد مفتوحة، وسكنها ابن السميفع وذلك على إيقاع المصدر موقع إسم المفعول، وقرأ علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعائشة وابن الزبير {حطب جهنم} بالطاء، وقرأ ابن عباس {حضَب} جهنم بالضاد منقوطة وسكنها كثير غيره، والحضب أيضاً ما يرمى به في النار لتوقد به والمحضب العود الذي تحرك به النار أو الحديدة أو نحوه ومنه قول الأعشى: [المتقارب]
فلا تك في حربنا محضباً ** لتجعل قومك شتى شعوبا

وقوله: {وما تعبدون} يريد الأصنام وحرقها في النار على جهة التوبيخ لعابدها ومن حيث تقع ما لمن يعقل في بعض المواضع اعترض في هذه الآية عبدالله بن الزبعري على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إن عيسى وعزيزاً ونحوهما قد عبدوا من دون الله فيلزم أن يكونوا حصباً لجهنم فنزلت {إن الذين سبقت} [الانبياء: 101] ثم قرر الأَمر بالإشارة إلى الأَصنام التي أرادها في قوله: {ما تعبدون}، فقال {لو كان هؤلاء آلهة} وعبر عن الأَصنام ب {هؤلاء} من حيث هي عندهم بحال من يعقل، والورود في هذه الآية ورود الدخول.

.تفسير الآيات (100- 103):

{لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)}
الضمير في {لهم} عائد على من يعقل ممن توعد، والزفير صوت المعذب وهو كنهيق الحمير، وشبهه إلا أنه من الصدر، وقوله: {لا يسمعون} قالت فرقة معناه لا يسمعون خيراً ولا ساراً من القول وقالت فرقة إن عذابهم أن يجعلوا في توابيت في داخل توابيت أخرى فيصيرون هنالك لا يسمعون شيئاً ولما اعترض ابن الزبعرى بأمر عيسى ابن مريم وعزيز نزلت {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} مبينة ان هؤلاء ليسوا تحت المراد لأنهم لم يرضوا ذلك ولا دعوا إليه، و{الحسنى} يريد كلمة الرحمة والحتم بالتفضيل، و«الحسيس» الصوت وهو الجملة ما يتأدى إلى الحس من حركة الأجرام وهذه صفة لهم بعد دخولهم الجنة لأن الحديث يقتضي أن في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا جثا على ركبتيه، و{الفزع الأكبر} عام في كل هول في يوم القيامة فكأن يوم القيامة بجملته هو {الفزع الأكبر} وإن خصص بشيء من ذلك فيجب أن يقصد لأعظم هوله، قالت فرقة في ذلك هو ذبح الموت، وقالت فرقة هو وقوع طبق جهنم على جهنم، وقال فرقة هو الأمر بأهل النار إلى النار، وقالت فرقة هو النفخة الآخرة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا وما قبله من الأَوقات أشبه أن يكون فيها {الفزع} لأَنها وقت لترجم الظنون وتعرض الحوادث، فأما وقت ذبح الموت ووقوع الطبق فوقت قد حصل فيه أهل الجنة في الجنة فذلك فزع بين إلا أنه لا يصيب أحداً من أهل الجنة فضلاً عن الانبياء، اللهم إلا أن يريد لا يحزنهم الشيء الذي هو عند أهل النار فزع أكبر، فأما إن كان فزعاً للجميع فلابد مما قلنا من أنه قبل دخول الجنة وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} يعم كل مؤمن.
وروي عن علي بن طالب رضي الله عنه أنه قال عثمان منهم ع ولا مرية أنها مع نزولها في خصوص مقصود تتناول كل من سعد في الآخرة وقوله تعالى: {وتتلقاهم الملائكة} يريد بالسلام عليهم والتبشير لهم، أي هذا يومكم الذي وعدتم فيه الثواب والنعيم.

.تفسير الآيات (104- 105):

{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)}
قرأت فرقة نطوي بنون العظمة، وقرأت فرقة {يَطوي السماء} بياء مفتوحة على معنى يطوي الله تعالى، وقرأ فرقة {تُطوى السماءُ} بتاء مضمومة ورفع {السماءُ} على ما لم يسم فاعله، واختلف الناس في {السجل} فقالت فرقة هو ملك يطوي الصحف، وقالت فرقة {السجل} رجل كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، ع وهذا كله وما شاكله ضعيف، وقالت فرقة {السجل} الصحيفة التي يكتب فيها، والمعنى {كطي السجل} أي كما يطوي السجل من أجل الكتاب الذي فيه، فالمصدر مضاف إلى المفعول ويحتمل أن يكون المصدر مضافاً إلى الفاعل، أي كما يطوي السجل الكتاب الذي فيه، فكأنه قال: {يوم نطوي السماء} كالهيئة التي فيها طي السجل للكتاب، ففي التشبيه تجوز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن {السّجْل} بشد السين وسكون الجيم وتخفيف اللام وفتح أبو السمال السين فقرأ {السَّجل} وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير {السُّجُل} بضم السين وشدها وضم الجيم، وقرأ الجمهور {للكتاب}، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {للكتب} وقوله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده} يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون خبراً عن البعث أي كما اخترعنا الخلق أولاً على غير مثال ذلك كذلك ننشئهم تارة أخرى فنبعثهم من القبور، والثاني أن يكون خبراً عن أن كل شخص يبعث يوم القيامة على هيئته التي خرج بها إلى الدنيا، ويؤيد هذا التأويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده» وقوله تعالى: {كما بدأنا} الكاف متعلقة بقوله: {نعيده}، وقوله: {إنا كنا فاعلين} تأكيد للأمر بمعنى أن الأمر واجب في ذلك، وقالت فرقة {الزبور} اسم يعم جميع الكتب المنزلة لأنه مأخوذ من زبرت الكتاب اذا كتبته، قالت هذه الفرقة و{الذكر} أراد به اللوح المحفوظ، وقال بعضهم {الذكر} الذي في السماء، وقالت فرقة {الزبور} هو اسم زبور داود، و{الذكر} أراد به التوارة، وقالت فرقة {الزبور} ما بعد التوارة من الكتب، و{الذكر} التوراة، وقرأ حمزة وحده {الزُّبور} بضم الزاي، وقالت فرقة {الأرض} أراد بها أرض الدنيا أي كل ما يناله المؤمنون من الأرض، وقالت فرقة أراد أرض الجنة، واستشهدت بقوله تعالى {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء} [الزمر: 74] وقالت فرقة إنما أراد بهذه الآية الإخبار عما كان صنعه مع بني إسرائيل أي فاعلموا أنا كما وفينا لهم بما وعدناهم فكذلك ننجز لكم ما وعدناكم من النصرة.

.تفسير الآيات (106- 109):

{إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109)}
قالت فرقة الإشارة بقوله: {في هذا} إلى هذه الأبيات المتقدمة، وقالت فرقة الإشارة إلى القرآن بجملته، والعبادة تتضمن الإيمان بالله تعالى، وقوله: {إلا رحمة للعالمين} قالت فرقة عم العالمين وهو يريد من آمن فقط، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس برحمة على من كفر به ومات على الكفر، وقالت فرقة العالمون عام ورحمته للمؤمنين بينة وهي للكافرين بأن الله تعالى رفع عن الأمم أن يصيبهم ما كان يصيب القرون قبلهم من أنواع العذاب المتسأصلة كالطوفان وغيره.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل الكلام أن يكون معناه وما أرسلنك للعالمين إلا رحمة أي هو رحمة في نفسه وهذا بين أخذ من أخذ، وأعرض عنه من أعرض، وقوله تعالى {آذنتكم على سواء} معناه عرفتكم بنذارتي وأردت أن تشاركوني في معرفة ما عندي من الخوف عليكم من الله تعالى، ثم أعلمهم بأنه لا يعرف تعيين وقت لعقابهم بل هو مترقب في القرب والبعد وهذا أهول وأخوف.

.تفسير الآيات (110- 112):

{إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)}
الضمير في قوله: {إنه} عائد على الله عز وجل، وفي هذه الآية تهديد أي يعلم جميع الأشياء الواقعة منكم وهو بالمرصاد في الجزاء عليها، وقرأ يحيى بن عامر {وإن أدريَ لعله وإن أدريَ أقريب} بفتح الياء فيهما وأنكر ابن مجاهد فتح هذه الياء ووجهه أبو الفتح، قوله: {لعله} الضمير فيه عائد على الإملاء لهم وصفح الله تعالى عن عذابهم وتمادي النعمة عليهم، و{فتنة} معناه امتحان وابتلاء، والمتاع، ما يستمتع به مدة الحياة الدنيا، ثم أمره تعالى أن يقول على جهة الدعاء {رب احكم بالحق} والدعاء هنا بهذا فيه توعد، أي إن الحق إنما هو في نصرتي عليكم، وأمر الله تعالى بهذا الدعاء دليل على الإجابة والعدة بها، وقرأت فقر {رب احكم} وقرأ أبو جعفر بن القعقاع {ربُّ} بالرفع على المنادى المفرد وقرأت فرقة {ربي أحْكَمُ} على وزن أفعل وذلك على الابتداء والخبر، وقرأت فرقة {ربي أحْكَمُ} على وزن أنه فعل ماض، ومعاني هذه القراءات بينة، ثم توكل في آخر الآية واستعان بالله تعالى، وقرأ جمهور القراء {قل رب} وقرأ عاصم فيما روي عنه {قال رب} وقرأ ابن عامر وحده {يصفون} بالياء، وقرأ الباقون والناس {تصفون} بالتاء من فوق على المخاطبة.

.سورة الحج:

.تفسير الآيات (1- 2):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)}
صدر الآية تحذير بجميع العالم ثم أوجب الخبر وأكده بأمر {زلزلة} القيامة وهي إحدى شرائطها وسماها شيئاً إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها فيستسهل لذلك أن تسمى شيئاً.
وهي معدومة إذا اليقين بها يشبهها بالموجودات وأما على المآل أي هي أذا وقعت شيء عظيم فكأنه لم يطلق الاسم الآن بل المعنى أنها كانت فهي حينئذ شيء عظيم، والزلزلة التحريك العنيف وذلك مع نفخة الفزع ومع نفحة الصعق حسبما تضمن حديث أبي هريرة من ثلاث نفخات ومن لفظ الزلزلة قول الشاعر: [الخفيف]
يعرف الجاهل المضلل أن ** الدهر فيه النكراء والزلزال

فيحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة كما قال تعالى: {مستهم البأساء والضراء وزلزوا} [البقرة: 214] وكما قال عليه السلام «اللهم اهزمهم وزلزلهم»، والجمهور على أن {زلزلة الساعة} هي كالمعهودة في الدنيا إلا أنها في غاية الشدة، واختلف المفسرون في الزلزلة المذكورة هل هي في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم القيامة، أم هي في يوم القيامة على جميع العالم؟ فقال الجمهور هي في الدنيا والضمير في {ترونها} عائد عندهم على الزلزلة وقوى قولهم إن الرضاع والحمل إنما هو في الدنيا، وقالت فرقة الزلزلة في القيامة واحتجت بحديث أنس المذكور آنفاً إذ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية ثم قال «إنه اليوم الذي يقول الله تعالى فيه لآدم أخرج بعث النار» ع وهذا الحديث لا حجة فيه لأنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية المتضمنة ابتداء أمر الساعة ثم قصد في تذكيره وتخويفه إلى فصل من فصول يوم القيامة فنص ذكره وهذا من الفصاحة، والضمير عند هذه الفرقة عائد على {الساعة} أي يوم يرون ابتداءها في الدنيا، فيصح لهم بهذا التأويل أن لا يلزمهم وجود الرضاع والحمل في يوم القيامة ولو أعادوه على الزلزلة فسد قولهم بما يلزمهم، على أن النقاش ذكر أن المراد ب {كل ذات حمل} من مات من الإناث وولدها في جوفها. ع وهذا ضعيف والذهول الغفلة عن الشيء بطريان ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره وقال ابن زيد المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها، وقرأ ابن أبي عبلة {تُذهِل} بضم التاء وكسر الهاء ونصب {كلَّ} وألحق الهاء في {مرضع} لأنه أراد فاعلات ذلك في ذلك اليوم فأجراه على الفعل وأما إذا أخبرت عن المرأة بأن لها طفلاً ترضعه فإنما تقول مرضع مثل حامل قال علي بن سليمان هذه الهاء في {مرضعة} ترد على الكوفيين قولهم إن الهاء لا تكون فيما لا تلبس له بالرجال، وحكى الطبري أن بعض نحويي الكوفة قال أم الصبي مرضعة، {وترى الناس سكارى} تشبيه لهم، أي من الهم، ثم نفى عنهم السكر الحقيقي الذي هو من الخمر قال الحسن وغيره، وقرأ جمهور القراء {سُكارى} بضم السين وثبوت الألف وكذلك في الثاني وهذا هو الباب فمرة جعله سيبويه جمعاً ومرة جعله اسم جمع، وقرأ أبو هريرة بفتح السين فيهما وهذا أيضاً قد يجيء في هذه الجموع قال أبو الفتح هو تكسير، وقال أبو حاتم هي لغة تميم، وقرأ حمزة والكسائي {سكرى} في الموضعين، ورواه عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي قراءة ابن مسعود وحذيفة وأصحاب عبدالله، قال سيبويه وقوم يقولون {سكرى} جعلوه مثل مرضى لأنهما شيئان يدخلان على الإنسان، ثم جعلوا روبى مثل سكرى وهو المستثقلون نوماً من شرب الرائب، قال أبو علي ويصح أن يكون {سكرى} جمع سكر كزمن وزمنى وقد حكى سيبويه رجل سكر بمعنى سكران فتجيء {سكرى} حينئذ لتأنيث الجمع كعلامة في طائفة لتأنيث الجمع، وقرأ سعيد بن جبير {وترى الناس سكرى وما هم بسُكارى} بالضم والألف، وحكى المهدوي عن الحسن أنه قرأ الناس {سكارى وما هم بسكرى}، وقرأ الحسن والأعرج وأبو زرعة بن عمرو بن جرير في الموضعين سُكرى بضم السين، قال أبو الفتح هو اسم مفرد كالبشرى وبهذا أفتاني أبو علي وقد سألته عن هذا، وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جريروأبو هريرة وأبو نهيك {وتُرى} بضم التاء الناسَ بالنصب قال وإنما هي محسبة، ورويت هذه القراءة {تُرى الناسُ} بضم التاء والسين أي ترى جماعة الناس.